أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

55

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يجوز نقل حركة همزة الاستفهام إلى لام « قُلْ » ، وتحذف الهمزة تخفيفا ، وهي قراءة ورش ، وهو تسهيل مطرد . و « أَ رَأَيْتَكُمْ » هذه بمعنى : أخبرني ، ولها أحكام تختص بها ، اضطربت أقوال الناس فيها وانتشر خلافهم ، فلا بدّ من التعرض لذلك فأقول : « أرأيت » إن كانت البصرية ، أو العلمية الباقية على معناها ، أو التي لإصابة الرئة ، كقولهم : رأيت الطائر ، أي : أصبت رئته ، لم يجز فيها تخفيف الهمزة التي هي عينها ، بل تحقق ليس إلا ، أو تسهل بين بين من غير إبدال ولا حذف ، ولا يجوز أن يلحقها كاف على أنها حرف خطاب ، بل إن لحقتها كاف كانت ضميرا مفعولا أول ، ويكون مطابقا لما يراد به من تذكير وتأنيث وإفراد وتثنية وجمع ، وإذا اتصلت بها تاء خطاب لزم مطابقتها لما يراد بها مما ذكر وتكون ضميرا فاعلا نحو : أرأيتم أرأيتما ، ويدخلها التعليق والإلغاء . وإن كانت العلمية التي ضمنت معنى : أخبرني اختصت بأحكام أخر ، منها أنه يجوز تسهيل همزتها بإبدالها ألفا ، وهي مروية عن نافع من طريق ورش ، والنحاة يستضعفون إبدال هذه الهمزة ألفا ، بل المشهور عندهم تسهيلها بين بين ، وهي الرواية المشهورة عن نافع ، لكنه قد نقل الإبدال المحض قطرب وغيره من اللغويين . قال بعضهم : هذا غلط عليه ، أي على نافع ، وسبب ذلك أنه يؤدي إلى الجمع بين ساكنين ، فإنّ الياء بعدها ساكنة . ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي جعفر ، ونافع وغيرهما من أهل المدينة أنهم يسقطون الهمزة ، ويدعون أن الألف خلف منها . قلت : وهذه العبارة تشعر أن هذه الألف ليست بدلا عن الهمزة ، بل جيء بها عوضا عن الهمزة الساقطة . وقال مكي بن أبي طالب : « وقد روى عن ورش إبدال الهمزة ألفا ، لأن الرواية عنه أن يمد الثانية ، والمد لا يتمكن إلا مع البدل ، وحسن جواز البدل في الهمزة ، وبعدها ساكن ، أن الأول حرف مد ولين ، فالمد الذي يحدث مع السكون يقوم مقام حركة يتوصل بها إلى النطق بالساكن » . وقد تقدم لك شيء من هذا عند قوله : أَ أَنْذَرْتَهُمْ « 1 » . ومنها أن تحذف الهمزة التي هي عين الكلمة ، وبها قرأ الكسائي ، وهي فاشية نظما ونثرا ، فمن النظم قوله : 1921 - أريت إن جاءت به أملودا * مرجّلا ويلبس المرودا ؟ أقائلنّ أحضروا الشّهودا ؟ « 2 » وقال آخر : 1922 - أريتك إذ هنّا عليك ألم تخف * رقيبا ، وحولي من عدوّك حضّر وأنشد الكسائي لأبي الأسود : 1923 - أريت امرأ كنت لم أبله * أتاني فقال : اتّخذني خليلا « 3 » وزعم الفراء أن هذه اللغة لغة أكثر العرب ، قال : « في » أرأيت لغتان ومعنيان ، أحدهما : أن تسأل الرجل : أرأيت زيدا ، أي : أعلمت ، فهذه مهموزة ، وثانيهما : أن تقول : أرأيت بمعنى : أخبرني ، فههنا تترك الهمزة إن شئت ، وهو أكثر كلام العرب يومىء إلى ترك الهمزة للفرق بين المعنيين . انتهى . وفي كيفية حذف هذه الهمزة ثلاثة أوجه :

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 6 ) . ( 2 ) اختلف في نسبته فقيل لرؤبة وقيل لرجل آخر من هذيل انظر أشعار الهذليين ( 2 / 651 ) ، المغني ( 2 / 339 ) ، الخصائص ( 1 / 136 ) ، اللسان ( رأى ) . الشاهد : ( أرأيت ) حيث حذفت الهمزة تخفيفا . ( 3 ) انظر ملحقات ديوانه ( 122 ) ، مجاز القرآن ( 2 / 11 ) ، الأغاني ( 11 / 107 ) ، الخزانة ( 11 / 379 ) ، شواهد الشافية ( 314 ) ، التهذيب ( 15 / 320 ) ( رأى ) .